ابن خلدون

184

تاريخ ابن خلدون

ثم استأصل شأفتهم ومحا أثر دعوتهم من المغرب وهلك في جهادهم سليمان بن عروا سنة احدى وخمسين لسنة من وفاة عبد الله بن ياسين ثم نازل أبو بكر مدينة لواتة وافتتحها عنوة وقتل من كان بها من زناتة سنة ثنتين وخمسين وبلغه وهو لم يستتم فتح المغرب بعد ما وقع من الخلاف بين لمتونة ومسوفة ببلاد الصحراء حيث أصل أعياصهم ووشايج أعراقهم ومنيع عددهم فخشى افتراق الكلمة وانقطاع الوصلة وتلافي أمره بالرحلة وأكد ذلك وزحف بلكين بن محمد بن حماد صاحب القلعة إلى المغرب سنة ثلاث وخمسين لقتالهم فارتحل أبو بكر إلى الصحراء واستعمل على المغرب ابن عمه يوسف بن تاشفين ونزل له عن زوجه زينب بنت اسحق ولحق بقومه ورفع ما كان بينهم من حرق الفتنة وفتح بابا من جهاد السودان فاستولى على نحو تسعين رحلة من بلادهم وأقام يوسف بن تاشفين بأطراف المغرب ونزل بلكين صاحب القلعة فاس وأخذ رهنها على الطاعة وانكف راجعا فحينئذ سار يوسف بن تاشفين في عسكره من المرابطين ودوخ أقطار المغرب ثم رجع أبو بكر إلى المغرب فوجد يوسف بن تاشفين قد استبد عليه وأشارت عليه زينب أن يريه الاستبداد في أحواله وأن يعد له متاع الصحراء وما عونها ففطن لذلك الأمير أبو بكر وتجافى عن المنازعة وسلم له الامر ورجع إلى أرضه فهلك لمرجعه سنة ثمانين وأربعمائة واختط يوسف مدينة مراكش سنة أربع وخمسين ونزلها بالخيام وأدار سورها على مسجد وقصبة صغيرة لاختزان أمواله وسلاحه وكمل تشييدها وأسوارها على ابنه من بعده سنة ست وعشرين وخمسمائة وجعل يوسف مدينة مراكش لنزله لعسكره وللتمرس بقبائل المصامدة المصيفة بمواطنهم بها في جبل دون فلم يكن في قبائل المغرب أشد منهم ولا أكثر جمعا ثم صرف عزمه إلى مطالبة مغراوة وبنى يفرن وقبائل زناتة بالمغرب وجذب الخيل من أيديهم وكشف ما نزل بالرعايا من جورهم وعسفهم فقد كانوا من ذلك على ألم ( حدث المؤرخون في أخبار مدينة فاس ودولتهم فيها بكثير منه ) فنازل أولا قلعة فازاز وبها مهدي بن توالى من بنى يحفش قال صاحب نظم الجواهر وهم بطن من زناتة وكان أبو تولى صاحب تلك القلعة ووليها هو من بعده فنازله يوسف بن تاشفين ثم استجاش به على فاس مهدي بن يوسف الكرنامي صاحب مكناسة بما كان عدو المعنصر المغراوي صاحب فاس فزحف في عساكر المرابطين إلى فاس وجمع إليه معنصر ففض جموعه وارتحل يوسف إلى فاس وتقري منازلها وافتتح جميع الحصون المحيطة بها وأقام عليها أياما قلائل وظفر بعاملها بكار بن إبراهيم فقتله ثم نهض إلى مغراوة افتتحها وقتل من كان بها من أولاد وانودين المغراوي ورجع إلى فاس فافتتحها صلحا سنة خمس وخمسين ثم رجع إلى